حبيب الله الهاشمي الخوئي

119

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

إلى خراب بيت المقدّس وما حوله حين غزاهم بخت نصر فقال أنّي يحيى هذه اللَّه بعد موتها ، فأماته اللَّه مأئة عام ثمّ أحياه ونظر إلى أعصابه كيف تلتئم وكيف تلبس اللَّحم وإلى مفاصله وعروقه كيف توصل ، فلما استوى قاعدا قال أعلم انّ اللَّه على كلّ شيء قدير . ثمّ إنّه عليه السّلام لما ذكر أنّه تعالى يفنى الأشياء بعد الوجود ، وكان ذلك مستبعدا عند الأذهان القاصرة وموردا للتعجّب لاستبعادها طريان العدم على هذه الأشياء الكثيرة العظيمة كالسّماوات الموطدات وما فيهنّ ، والأرضين المدحوّات وما عليهنّ وغيرها من الممكنات الموجودات أراد دفع الاستبعاد والتعجّب فقال : ( وليس فناء الدّنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها ) لأنّ الانشاء والافناء إن لو حظا بالنسبة إلى قدرة الواجب تعالى فليس بينهما فرق ، إذ نسبة جميع المقدورات إليه تعالى سواء ، لأنها كلَّها ممكنة قابلة للوجود والعدم لذواتها وهو سبحانه على كلّ شيء قدير ، وإن لو حظابا لنظر إلى أنفسهما مع قطع النظر عن القدرة فالابداع أغرب وأعجب من الاعدام سيّما إذا كان المبدع مشتملا على بدايع الخلقة وأسرار الحكمة التي لا يهتدي إلى معشارها بعد الهمم ولا يصل إليها غوص الفطن كما أشار إليه بقوله : ( وكيف ) أي كيف يكون الفناء أعجب ( ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها وما كان من مراحها وسائمها ) أي من ذي مراحها أي الذي أراحه راعيه فيه بالعشى ( وأصناف أسناخها وأجناسها ومتبلَّدة أممها وأكياسها ) أي غبيّها وذكيّها ( على إحداث ) أصغر حيوان وأحقره وأضعفه من ( بعوضة ) ونحوها ( ما قدرت على إحداثها ، ولا عرفت كيف السّبيل إلى ايجادها ) كما قال عزّ من قائل : * ( « يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَه ُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ » ) * . ومحصّل المراد أنّه كيف يكون الفناء أعجب من الابداع وفي إبداع أضعف حيوان وأحقره وهي البعوضة ما يعجز عن تكوينه وإحداثه قدرة كلّ من تنسب إليه القدرة ، وتقصر عن معرفة الطريق إلى ايجادها ألباب الألبّاء .